عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
156
اللباب في علوم الكتاب
وقيل : هي البخل ، « وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » من تحريم الحرث والأنعام . وقال مقاتل : كلّ ما في القرآن من ذكر الفحشاء ، فإنّه الزّنا ، إلّا قوله : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [ البقرة : 268 ] فإنه منع الزكاة . وقوله : « وَأَنْ تَقُولُوا » عطف على قوله : « بالسّوء » ، تقديره : « وبأن تقولوا » فيحتمل موضعها الجرّ والنصب ؛ بحسب قول الخليل ، وسيبويه « 1 » . قال الطّبريّ : يريد ما حرّموا من البحيرة والسّائبة ونحوهما ، مما جعلوه شرعا . فصل في بيان أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح دلّت الآية على أنّ الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح ؛ لأنّ اللّه تعالى ذكره بكلمة « إنّما » وهي للحصر . وقد قال بعضهم : إن الشيطان قد يدعو إلى الخير ؛ لكن لغرض أن يجره منه إلى الشّرّ ؛ وذلك على أنواع : إمّا أن يجرّه من الأفضل إلى الفاضل ، ليتمكّن من أن يجره من الفاضل الشّرّ ، وإمّا أن يجرّه من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشقّ ؛ ليصير ازدياد المشقّة سببا لحصول النّفرة عن الطّاعات بالكلّيّة . وتناولت الآية الكريمة جميع المذاهب الفاسدة ، بل تناولت مقلّد الحقّ ؛ لأنّه قال ما لا يعلمه ؛ فصار مستحقّا للذّمّ ؛ لاندراجه تحت هذا الذّمّ . وتمسّك بهذه الآية نفاة القياس ، [ وجوابهم : أنه متى قامت الدّلالة على أنّ العمل بالقياس واجب ، كان العمل بالقياس ] « 2 » قولا على اللّه بما يعلم لا بما لا يعلم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 170 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) الضمير في « لهم » فيه أربعة أقوال : أحدها : أنه يعود على « من » في قوله مَنْ يَتَّخِذُ [ البقرة : 165 ] . الثاني : قال بعض المفسّرين : نزلت في مشركي العرب ، فعلى هذا : الآية متّصلة بما قبلها ، ويعود الضمير عليهم ؛ لأنّ هذا حالهم . الثالث : أنه يعود على اليهود ؛ لأنّهم أشدّ الناس اتّباعا لأسلافهم . روي عن ابن عبّاس قال : دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اليهود إلى الإسلام ، فقال رافع بن خارجة ، ومالك بن عوف : « بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا فهم كانوا خيرا منّا ، وأعلم منّا » ، فأنزل اللّه هذه الآية الكريمة « 3 » .
--> ( 1 ) ينظر الكتاب : 1 / 17 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 305 - 306 ) وابن هشام في « السيرة » ( 2 / 200 - 201 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 306 ) وزاد نسبته لابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس .